الرأى

القراءة قاطرة التقدم وبناء الحضارات

بقلم الشيخ / رسمي عجلان

بمناسبة المعرض الدولي للكتاب ولمن يرغب في أن يجالس العلماء عليه أن ينشئ مكتبة صغيرة في بيته ؛ فالكتاب هوَ خير جليسٍ في هذا الزمان، وهوَ الرفيق الذي لا يملّ منك حتّى تملّ أنت منه، فلا يوجد أفضل من أن تُرافق الكتاب وتقضي معهُ الأوقات التي تعود عليك بالنفع بدلاً من أن تذهب ضياعاً وهدراً بلا نفعٍ عائد على صاحبه أو أثرٍ مرجوّ. حبّ القراءة والمُطالعة هوَ إحساسٌ داخليّ ينمو مع الأشخاص خصوصاً في السنين المُبكّرة من العُمر، وتقع مسؤوليّة ترغيب الأشخاص بالقراءة والتعلّم من البداية على الأسرة التي بها تتشكّل الشخصية الأولى، وهي النواة التي منها تتخرّج أجيال المٌتعلّمين والقارئين الّذين يبنون المُجتمع ويرفعون أعمدة البيت الثقافيّ عالياً، وهُم الرافد الرئيسيّ للحركة العلميّة في العالم، والّتي بدورها تقضي عل كلّ أسباب الجهل والخرف والتطرّف الفكريّ الذي هوَ بلا شكّ وليد الضحالة في الاطّلاع، وضيق في الأفق والمدارك.

ومن أهمّ وسائل التطوّر الثقافيّ هي مُداومة القراءة والمُطالعة، ولا يتأتّى هذا الأمر من دون وجود مكتبة تكون بمثابة المرجع للطالب، ولمن أراد البحث عن معلومة، وإذا كانت هذهِ المكتبة منزليّة فهي ذات أثر عظيم في صقل المعرفة وحبّ الاطّلاع لدى الأطفال، خُصوصاً حينما يرونها في كلّ لحظة ماثلة أمامهم، ويُطالعون عناوين الكتب فيها، وهذا لهُ أثر نفسي عميق بمعرفة أنَّ الكتاب هوَ رُكن أساسيّ في الحياة، وليس مُجرّد مرجع عند الحاجة.

لماذا نقرأ؟ نحن نقرأ لأنَّنا أمَّةُ “اقْرَأ”، فنقرأ كي نتقرَّب إلى ربِّنا؛ فالعِلم يؤدِّي إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، قال علماء السلف الصالح: (إذا أردت أن تعبد الله حق عبادته فتعلم كيف تعبده)، وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَة: (أَنَّهُ مَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ)، وكلَّما زاد المرء معرفةً بالله تعالى زادَت خشيتُه له: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، نقرأ لأنَّنا نريد أن نرتفع في الدرجاتِ العليا في الدنيا والآخرة: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]؛ فالقراءة للمسلِم ليسَت فقط مجرَّد تسلية ومتعَة؛ بل هي أعلى من ذلك وأسمى، فهي طريقٌ لدخول الجنَّة؛ فعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (أخرجه مسلم والترمذي وأبي داوود).

وكما أنَّ للقراءة واقتِناء الكتب لذَّةً ومتعة كمتعة الرحلات والتنقل والسَّفر والتنزُّه بين الحدائق والمنتجعات والمتاحف والأماكن الأثرية – بل هي أمتع بكثيرٍ من ذلك كله لمن أدمن القراءةَ وعاش في أحضان الكتب وأحس بنبض حروفها – فالقراءة فيها استِثارة للذِّهن، فهي تجعل الذهن في حالةٍ نشِطة؛ إذ جمال القراءة أنَّها تتعامل مع الجزء المميَّز للإنسان؛ مع عقلِه، تستثيره وتحفِّزه، تقلِقُه حينًا وتُقرُّه حينًا، ومتعة الاستِثارة الذهنيَّة لا يعلوها متعة.

كما أن القراءة في هذا الزَّمن الصَّعب تخفف من ضغط الأعصاب وجهد العمل الذي يواجه المرء في حياته اليومية؛ فالحياة اليومية مرهِقةٌ بأعمالها وارتباطاتها ومشكلاتها، فينزع المرءُ للكتاب ليخفِّف من هذا الضَّغط الذي يشعرُ به؛ فلعل قراءة رواية ماتِعة تنقله لعالَمٍ آخر ينسيه لحظات الشدِّ والجذب التي مر بها طوال يومه، أو قراءة كتابٌ علميٌّ يجعله في اندِهاش وتساؤل يشتِّت لحظات الضغط التي حلَّت به، أو قراءة كتاب في الزهد والرِّقاق يزهِّده في الحياة فلا ترى الحياةَ شيئًا، أو قراءة ديون شعر يجعله يقطف من كل بستان زهرة ومن كل شجرة ثمرة، فهذا هو جمال الكِتاب أنَّه يطرد ويزيل الشدَّ النفسي والارهاق العصبي اليومي.

كما أن القراءة تقدِّم لك المعرفة، فلا زال الكتاب هو أفضلَ سبيل لنيل المعرفة، وبقدر ما تزداد معرفتُك تكون أقدرَ على فهم كثيرٍ من القضايا، وأقدر على مواجهَة مشاكل الحياة، فالقراءة تمنحك قوَّةً معرفية يثمر عنها إزالة الجهل الذَّاتي، والحقيقة التي لا مراء فيها: أن كلُّ شيء قد يُسلَب من الإنسان إلَّا معرفته؛ فهي ملكٌ خاص لا يستطيع أحد أن ينتزعها منه إلَّا حين ينزع قوته العقلية.

كما أن القراءة تخرِجك من عالَمك المحدود إلى عالم رحب فسيح بلا حدود؛ فالكتاب ربَّما يأخذك في رحلةٍ كونيَّة فتسير بين الكواكب والنجوم، أو يأخذك في عالَمٍ صغير للغاية لا يدرِكه بصرك المجرَّد فتنتقل بين الذرَّات تجوب في عالم النواةِ والذرة ومكوِّناتها، أو ينقلك إلى عالمٍ من الخيال لا صِلة له بواقعك، أو يبعدك عن المحسوسات فيَنقلك للمعاني والتصوُّرات الخيالية العلمية، فعالَم القراءة بحر لا يدرك قعره، وكلُّ كتاب رحلة عبق وميزة تختلف عن غيره.

فأنت حين تقرأ كتابًا تزيد من قدراتك الذِّهنيَّة، فتزداد لديك مهارات التحليل والتركيب – العصف الذهني – وتخزين المعلومات هي عقاقير التَنشيط الفكري، فالعقل عضَلَة تنفعِل وتزدهِر، وتنمو بكثرة الاستِعمال، وتذبل وتضعف عند تركِ استعمالها، وقد قال علماء الطب النفسي: (إنَّ القرَّاء أقلُّ النَّاس إصابةً بالزَّهايمر)؛ لأنَّ الذِّهن لديهم في حالة عمَل مستمرٍّ، فمستوى الانتِباه يكون حاضرًا حالَ القراءة، والقراءة تزيد وتقوِّي التركيز، ومن هنا لا تجد أحد من حفاظ القرآن الكريم أصيب بالخرف أو الزهايمر في شيخوخته.

والقارئ يَكتشف العالَمَ الإنساني الذي يحيط به، فيقرأ ليعرفَ عقائدَ النَّاس وقِيَمَهم، ولكي يثقِّف ذاته، ولا يمكن للمرء أن يقدِّم رسالته ما لم يقرأ ويتعمَّق في القراءة، وكلَّما قرأنا كنَّا أقدر على مواجهة الباطِل ودفْعِه، فالقراءة تكشف سبيلَ المجرمين، والمرءُ إذا جَهِل الباطِلَ يوشك أن يقَع فيه، وفي حديث حذيفةَ أنَّه كان يسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الشرِّ، ويعلِّل ذلك قائلًا: (وكنتُ أسأله عن الشرِّ مخافةَ أن يدرِكَني)، فمعرفةُ الباطِل ضرورة كي نتَّقيه.

من هنا قال البرت هيوبارد: (لن يكون هناك بلد متحضر حتى ينفق على الكتب أكثر مما ينفق على شراء “العلكة”)، وقال إليزابيث براوننغ: (الكتاب هو المعلم الذي يعلم بلا عصا ولا كلمات ولا غضب. بلا خبز ولا ماء. إن دنوت منه لا تجده نائم وإن قصدته لا يختبئ منك. إن أخطأت لا يوبخك وإن أظهرت جهلك لا يسخر منك)، وقال جيلبرت كيث تشيسترتون: (غرفة بلا كتب كالجسد بلا روح)، وقال أوليفر ونديل هولمز: (الكتب التي نقرأها يجب أن نختارها بعناية فائقة وبهذا نكون كالملك المصري الذي كتب على مكتبته: “عقاقير الروح)، وقال روبرتسون دافيس: (الكتاب الجيد يُقرأ مرة في سن الشباب ومرة في سن النضج ومرة أخرى في الشيخوخة كالبناء الجميل الذي يجب أن يُشاهد فجراً وظهراً وتحت ضوء القمر)، وقال جيلبرتهايت: (الكتب ليست أكوام من الورق الميت.. إنها عقول تعيش على الأرفف)، وقال هنري بيشر: (الكتب ليست أثاثاً للمنزل، وليس أجمل منها زينة له)، وقال راي برادبوري: (ليس عليك أن تحرق الكتب لتدمر حضارة فقط؛ بل اجعل الناس تكف عن قراءتها؛ فيتم ذلك)، وقال جوزيفبرودسكاي: (الجريمة الأخطر من حرق الكتب هي عدم قراءتها)، وقال توماس جيفرسون: (من لا يقرأ شيئاً على الإطلاق فقد انسلخ من الإنسانية)، وقال أدموندبيرك: (القراءة بلا تفكّر كالأكل بل هضم).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات