الرأى

القدس عربية لا إمبريالية ولا صهيونية

بقلم الشيخ رسمي عجلان

قضية القدس من بداية التاريخ حتى نهاية العالم، قضية دينية بلا مراء ومن يقول غير ذلك فهو مجافي للحقائق التاريخية، ولقد تحدث كثير من الناس وصوروا أن هذه القضية عنصرية أو إمبريالية أو صراع بين الغرب والشرق، ونسوا أن التاريخ أثبت أنها قضية دينية مهما تطبل وتزمر العلمانية الصهيونية، فلو رجعنا للتاريخ نجد أن سكان القدس من أربعين قرناً تقريباً كانوا عرباً يسمون بالكنعانيين، ومعلوم أن كنعان وعدنان وقحطان أسماء لقبائل عربية انتشرت في شبه الجزيرة العربية، ثم نجد أن هذه القبائل عصت أمر ربها وأساءت إلى نفسها وإلى أنبيائها، ولقد حكي القرآن الكريم هذا، فلقد كُذب هود في عاد، صالح في ثمود، شعيب في مدين، لوط في قرى المؤتفكة، وكل هؤلاء في فلسطين، فكانت النتيجة الحتمية لجحودهم وتكذيبهم لأنبيائهم أن هذه القبائل دمرت وأصبحت في خبر كان، تروى للعظة والاعتبار، قال تعالى: (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ …. وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ) (هود: 50-89)، ثم جاء دور الكنعانيين في فلسطين رزقهم الله من كل شيء رزقاً حسناً، وعندما تجبروا في الأرض ونسوا ما ذكروا به سلط الله عليهم من هو أحق منهم يومئذ بعمارة الأرض.

أسلوب بلاغى

ولقد حكي القرآن الكريم بأسلوب بلاغي عظيم على لسان نبي الله موسى عليه السلام قال تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ … قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (المائدة: 21-22)، لقد كان اليهود جبناء وأضعف وأذل من أن يدخلوا على العرب أرضهم المقدسة، كان العرب وقتئذ جبابرة كما حكي القرآن الكريم عن قوم عاد التي قالت عن نفسها: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (فصلت:15)، وكذلك ثمود قال تعالى: (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الأعراف:74)، ثم مات موسى وهارون عليهما السلام، وشاءت قدرة الله أن يدخل يوشع بن نون (فتى موسى الذي كان يحمل الغداء في قصة الخضر) الأرض المقدسة، ودخل معه اليهود واستوطنوا هذه الأرض، فهل اليهود بعدما سكنوا الأرض المقدسة كانوا قوماً صالحين أم تحولوا إلى مجرمين وتجبروا في الأرض؟ التاريخ يقول: (سرعان ما تحول اليهود إلى جبابرة، وأكثروا في الأرض الفساد، وبدا منهم ما لا يليق بشكر المنعم، بل وفعلوا كل ما يغضب الله عن عمد)، لقد كانوا يجادلون نبيهم موسى عليه السلام حتى أثناء خروجه بهم من مصر وإنقاذهم من فرعون وعمله، وكان موسى يرى أن فيهم انحراف واعوجاج غالب على الفطرة السليمة، لقد قالوا له وهم في مصر: (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف :129)، والملاحظ أن في جواب نبي الله موسى لهم اتهام غامض، كأنه يشعر بأن هؤلاء اليهود عندما يتولون الأمر ويسكنون الأرض سيكونون فراعنة بل أشد وأخبث، ولما لا وقد وصفهم نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام بأنهم (قوم غلاظ الرقبة)، ولذا لما تمكنوا سعوا يفسدون كما يشاءون وأطلقوا على أنفسهم شعب الله المختار، وباقي الأجناس بغال خلقت ليركبوها، (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) (المائدة:18).

الأرض المقدسة

وكانت اليهود تصف العرب الكنعانيين بأنهم كلاب كما جاء في كتابهم المقدس، ويقول التاريخ: أن اليهود مكثوا في الأرض المقدسة ما مكثوا من الزمان وازداد فسادهم وظلمهم وكثر بلاؤهم، فشاء المولى عز وجل أن يسلط عليهم من يجتث الأرض من تحت أقدامهم، ويزيل ملكهم ويضرب عليهم الذلة والمهانة ويسوقهم أمامه أسرى مكشوفين الإست والصدر كما جاء في أسفارهم، فجاء (بختنصر) سنة 586ق.م فقطع دابرهم من الأرض المقدسة وساقهم أسارى إلى بابل عاشوا بها عبيد أذلة ما يقرب من 50سنة، ثم رجعوا إلى الأرض المقدسة في حكم (قورش) ملك الفرس سنة 538ق.م، ومكثوا فيها فلما تجبروا وعسوا في الأرض الفساد جاءهم (بطليموس الأول) ملك مصر وأدبهم وأذلهم بعد عصيانهم له وساق منهم أكثر من مائة ألف أسير إلى مصر، ثم جاء عهد الرومان من سنة 63ق.م حتى 70م فحكموا البلاد وعاش اليهود تحت رعايتهم بالأرض المقدسة، فلما علوا في الأرض وتجبروا جاءهم الملك (تيطس)، وحاصرهم حتى أكلوا الجيف ودبيب الأرض، وهلك منهم خلق كثير، وفر منهم من بقى حياً إلى الأقطار المجاورة كمصر وقبرص وجزيرة العرب، والقرآن حين يقص القصص لا يذكر التواريخ والأماكن وإنما يعنيه العبرة والعظة، والعبرة التي جاءت في أول سورة الإسراء تقول: أن الأمم تحكمها سنة كونية واحدة ولن تجد لسنة الله تحويلا وهي: (أي أمة اختل أمرها وانتشر الفساد بين أفرادها احتلها الغرباء وأذاقهم أمر العذاب)، قال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا … فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) (الإسراء:4-5)، وفعلاً احتلت الأرض المقدسة وسيق اليهود أسرى إلى بابل وضرب عليهم الذل والمهانة، ثم عفا عنهم فرجعوا إلى بيت المقدس فماذا صنعوا؟ قال الله تعالى: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ … وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (المائدة:70-71)، ثم حدث الإفسادة الثانية فجاء الرومان واستولوا على بيت المقدس وهدموا الهيكل مرة أخرى وشتتوا اليهود، وبات بيت المقدس تحت إمرة الرومان، ثم جاءت البعثة المحمدية تشير بأمر كائن لابد منه ألا وهو: أنه ببعثة النبي محمد الخاتم سيتم تغيير القيادة الروحية للأرض، وستنتقل من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل (أي العرب)، وهذه هي الإشارة الخفية والدرس الحقيقي لإسراء النبي محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذه النقلة جعلت القيادة من نصيب العرب دينياً وإدارياً وسحب البساط من تحت قيادة اليهود ولم يعد لهم نصيب، وانتقلت القيادة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، ومن دعوة محلية إلى دعوة عالمية، من عنصرية شعب الله المختار إلى الناس سواسية أمام الله كأسنان المشط، من الأنانية وحب الذات إلى الإنسانية وحب الآخر، فاختار الله للبشرية العنصر الجديد حتى يعيشوا في أمان، لقد أَسْرَىٰ بالنبي محمد مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وأمر بالصلاة بالأنبياء به، ليعلم الكل أن النبي الخاتم أصبح مسئول هو وقومه عن هذا البيت، ولذا كان أول اتجاه الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب القدس الذي دخله أمناً وتسلم مفاتيح بيت المقدس بعدله وإيمانه هو وأصحابه، ثم اتبع المسلمون سنن اليهود اتبعوهم في أخلاقهم وأحوالهم وشغلتهم أموالهم وأهليهم، فوثب عليهم الصليبيين واستولوا على القدس وأخذوا بيت المقدس وذبحوا به سبعين ألف مسلم، ثم جاء صلاح الدين فنشر الوعي الديني وعَلَمَ الناس العقيدة والأخلاق وطلب منهم الحفاظ على العبادات، وقضى على البدع الفاطمية والخرافات، فلما مكن لدين الله في الأرض مكن له الله في السماء ففتح بيت المقدس في يوم عيد الأضحى بغير قتال وسامح وعفا وصفح عن أعدائه، ثم جاء الاحتلال الانجليزي واستولى الصليبيين على بيت المقدس حتى الآن! الأمر كله سنة كونية كان العرب هنا قديماً ثم طردوا لأنهم نسوا الله، ودخلوا القدس بالإسلام فلما خانوا الإسلام أخذت منهم القدس ودنس اليهود بيت المقدس ويقومون بحرقه وهدمه لبناء هيكلهم المزعوم، فالقدس ينادينا فكوا قيدي من يد الغاصبين؟

ولله در القائل:

تململ الشعب الفلسطيني فاغتالوه ما اعتبروا

عند بني إسرائيل تلاقى الوحش والبشرُ

تمرّد الأهل في القدس فحاصروهم

وما نجا الزرعُ والإنسانُ والحجرُ

دون الأنام تـُركنا للرصاص فما

في الكون يفعلها حتى ولا التترُ

شَبابُنا في أتُونِ الحقد قد حرقوا

وفي الدّروب مئات بعدُ ما قـُبروا

دمُ الشبابِ.. سيول في شوارعنا

لم يبق في أرضنا ضرع ولا ثمر

يا شعوب العرب هبوا كنوا لهم

مثل العواصف خـَلّ الأرض تستعر

قل للدّعيّ كأسلاف لكم دفنوا

مهما بطشت غدا تفنى وتندثر

ولقِّـن المعتدي دَرساً يحرّمه

طعم الرقاد وخل الظلم يندحر

هذا الشباب هو التاريخ هم غدنا

أطفالك يا قدس والله قد كبروا

لسوف تهوي يا اسرائيل وشبابنا

تغزوكم في البيوت فلا تبقي ولا تذرُ

و سوف يَرجعُ حقٌ ظل طالبه

يقارع الشر حتى يورق الظـَّفـُر

لأننا – وخيول الحق نسرجها –

نصارع الظلم حتى الشهادة أو النصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات