sliderالرأىرمضان

الصيام وزكاة الفطر

بقلم: الدكتور شعبان إسماعيل.. الأستاذ بجامعة الأزهر

الإسلام يهدف من وراء تشريعاته السامية إلى تحقيق هدفين كريمين هما: تنظيم العلاقة بين العبد وربه جلّ وعلا، وتنظيم العلاقة بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه باعتباره جزءاً منه وأحد أعضائه ومكوّناته، فيحسّ بإحساس من حوله، فيفرح لفرحه، ويتألم لألمه.

فإذا كانت فريضة الصيام تمثل العلاقة بين العبد وربّه، فإن من أهم ثمراتها: تذكّر المسلم لإخوانه الفقراء ومساعدتهم ممّا أفاء الله عليه من النعم، وبذلك يكون قد حقّق الهدفين السابقين، وهذا ما رواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرةً للصائم من اللّغو والرّفث، وطُعمةً للمساكين.

وسمّى هذا النوع من الزكوات بزكاة الفطر؛ لأنـها لا تجب إلا بالفطر من آخر يوم من رمضان، ولذلك: لا يجب دفعها عمّن مات قبل هلال شهر شوال، ويجب دفعها على من ولد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، كما تسمى: زكاة الفطرة، أي: الخِلْقَة التي جاءت في قوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]، فهي زكاة على النفوس عمومًا سواء أكانوا مكلفين أم غير مكلفين، فالمكلّف يدفعها عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته كالزوجة، والأولاد الذين ينفق عليهم، وعن والديه إن كانوا فقراء، وكذلك الخادم أو الخادمة الذين يعملون لديه بأجر ثابت، كما يجب على وليّ اليتيم أن يدفعها عنه من ماله إن كان عنده مال، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حرّ وعبد، ذكر وأنثى، والصغير والكبير من المسلمين. وفي أحاديث أخرى ورد ذكر الزبيب والأقط، هو اللبن المجفّف.

والحكمة من تنويع الأصناف التي تخرج منها الزكاة: التيسير على المسلمين وعدم إلزامهم بنوع معين في عصر كانت الحياة فيه تتّسم بالفقر وشحّ الموارد، وليست هذه الأنواع على سبيل الحصر، ولذلك قال الفقهاء: إنـها تخرج من غالب قوت البلد الذي يعيش فيه المزكي مثل: القمح والشعير والذرة والأرز، وأرى: أن الأرز في هذا العصر هو الأولى، فلا يخلو منه بيت من بيوت المسلمين.

مقدارها: أما مقدار زكاة الفطر: قد حدّده الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه الشريفة بالصاع، وهو مكيال تكال به الحبوب ونحوها قدّره أهل الحجاز قديمًا بأربعة أمداد، والمدّ: مقدار ملء كفّي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يده بـهما، ولذا سمّى مدًّا، وهي في حدود 2 كيلو ونصف. فإذا كان سعر الكيلو من الأرز المتوسط ثمانية جنيهات، فيكون مقدار الزكاة هذا العام: عشرين جنيها على أقل تقدير.

 

وهذا المقدار هو أقلّ ما يجزئ في تبرئة الذمة، وعلى من وسّع الله عليه أن يوسّع على ذوي الحاجات خاصة في هذا العصر الذي ارتفعت فيه الأسعار بصورة غير مسبوقة، وقد وعدهم الله تعالى بأن يخلف عليهم أضعافًا لا حدّ لها فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنّ الله تعالى قال لي: أَنفقْ أُنفقْ عليك”.

والخلاصـة: أن الذي عنده أيّ نوع من أنواع الحبوب التي تقدم ذكرها يخرج منها زكاته وزكاة من يعولهم.

وشرط وجوبها: أن يكون لدى المسلم ما يزيد عن قوته وقوت من يعولهم يوم العيد وليلته، فالفقير الذي يتلقى الزكاة من غيره عليه أن يدفعها عن نفسه وعمّن يعولهم إلى من هو أفقر منه، حتى يشعر بلذّة البذل والإعطاء، فيدفعه ذلك إلى العمل والكسب، ويحقّق لنفسه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم : “اليد العليا خير من اليد السّفلى، واليد العليا المُنْفِقَةُ، واليد السّفلى السائلة”.

وتخرج عند رؤية هلال شوال، وتجوز قبل ذلك طيلة شهر رمضان، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد إلا إذا كانت هناك ضرورة، كأن يريد دفعها إلى بعض أقاربه الفقراء ولم يتيسّر له اللقاء بهم إلا يوم العيد أو بعده، ففي مثل هذه الحالة: عليه أن يخرجها مع النية، ويحتفظ بـها حتى يلقاهم، وبذلك تكون ذمّته قد برئت مما وجب عليه، لأن زكاته في حكم المخرجة قبل صلاة العيد، فقد صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه “أمر بزكاة الفطر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة” أي: صلاة العيد.

وقال ابن عباس رضى الله عنهما : فمن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

وينبغي على المزكّي أن يتأكد من أن من يدفع له الزكاة فقير، ويبدأ بأكثر الناس احتياجًا، فأفضل وسيلة لذلك: البحث عن الأقارب الفقراء ممّن لا تجب نفقتهم عليه كالإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وسائر الأقارب الذين لا تجب نفقتهم عليه، بشرط أن يكونوا فقراء، فدفع الزكاة إليهم أفضل من دفعها إلى الفقراء الأجانب؛ فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرّحم اثنتان: صدقة وصلة” وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات