الرأى

الرسول في مجلسه

بقلم: د وفاء عبد السلام

أكرم المجالس مجلس العلم والذكر، وماأجمل أن يتوسط المجلس إمام الأمة وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، كان من صفاء مجلسه ونقاء سريرته، أن يرد المخطئ ويصوب الجاهل وينبه الغافل ولا يقبل في مجلسه إلا الخير . وكان  صلى الله عليه وسلم  مستمعاً منصتاً لمحدثه إلا أنه لا يقبل غيبة ولا يرضى بنميمة ولا بهتان فهو يرد عن أعراض الآخرين ، ولا يقبل في مجلسه ما يخالف الشرع، قال عتبان بن مالك رضي الله عنه : قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يصلي فقال : ” أين مالك بن الدخشم ؟” فقال رجل ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : ” لا تفعل ذلك . ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟! وإن الله قد حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ! “.

وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذِكرٍ، وإذا انتهى إلى قومٍ جلس حيث انتهى به المجلس، ويأمُر بذلك، ويعطي كلَّ أحد من جُلَسائه نصيبَه، لا يحسب جليسه أنَّ أحدًا أكرم عليه منه، وإذا جلس إليه أحدُهم لم يَقُمْ صلى الله عليه وسلم حتى يقوم الذي جلس إليه، إلا أنْ يستعجله أمرٌ، فيستأذنه.

فمجلسه صلى الله عليه وسلم مظهر من مظاهر عظمته وجلال قدره، وحسب من يجالسه من الصحابة الكرام أن تصيبهم نفحة من نفحات عظمته وجلاله، فترفع لهم شأنًا وتقيم لهم بين العالمين قدرًا، وقبل هذا وذاك يكفيهم ما ينهلونه من مشكاة نوره ما يبددون به  الظلمات والضلالات، ولا عجب في ذلك؛ فنبيُّهم صلى الله عليه وسلم كان يجلِس على الأرض والحصير والبساط  تواضعا منه صلى الله عليه وسلم، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكِّئًا على عَصَا، فقمنا إليه، فقال: “لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضًا”.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا استقبل في مجلسه أحدًا، أقبل بوجه باشٍّ كله بشر وسرور، فإذا صافحه لم ينزع يده الشريفة من يده حتى ينزع القادم يده أولاً، ولا يصرف وجهه الكريم عنه حتى يكون هو أول صارف لوجهه، فإذا استقر في مكانه بالمجلس وحدثه صلى الله عليه وسلم أقبل بوجهه وحديثه إليه، حتى لو كان من أشر الناس فيتألفه بذلك.

كما كان مجلسه مجلس علم وحلم، وحياء وسكينة، وصيانة وأمانة، تُتلى فيه آيات الله تعالى، وترسى فيه الآداب والأخلاق، وتغض فيه الأصوات، ولا يجهر فيه بالقول، وتصان فيه الحُرم، ويكثر فيه الكرم، وتتنزل عليه النعم وترفع عنه النقم، الملائكة تحضره وتحفه، والله سبحانه وتعالى يذكر حاضريه فيمن عنده، ضعيفه قوي بإيمانه، وقويه متواضع بمقامه، وكبيره يُوقَّر، وصغيره يرحم، وكريمه يكرَّم، ولا تفاضل فيه إلا بالتقوى والعمل الصالح، ولا يُخلَى حتى يلين الجافي، ويستكين المتعالي، ويهذب وحشي الطباع، وتقضى حوائج ذوي الحاجات،

فإذا انفض المجلس، وما أصعب ذلك على الحاضرين، لا يقومون إلا على ذكر الله،

قال صلى الله عليه وسلم: “مَن جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. إلا غُفِرَ له ما كان في مجلسه ذلك” وروى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس، فقال له رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى. قال: “ذلك كفارة لما يكون في المجلس”.

وجعل صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم وجعل خير الدنيا والآخرة في التفقه حيث قال صلى الله عليه وسلم:( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين )، وحث صلى الله عليه وسلم على أن يكون التعلم خالصا لوجه الله الكريم فقال 🙁 لاتعلموا العلم لتماروا به السفهاء ، ولا لتباهوا به العلماء ، ولا لتحتازوا به المجالس ، فمن فعل ذلك فالنار النار )لأن طلب العلم عبادة ومن شرط قبول العبادة أن تكون خالصة لوجه الله الكريم.

كما حذر من التهاون في العلم وتضييعه وإهماله ، واعتبر ذلك سببا من أسباب الفناء وزوال الدنيا وخرابها ، فعن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال : لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :(من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل ، ويظهر الزنى) .

اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيب الرحمن معلم الأمة والبشرية علمه خالق البرية سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات