الرأى

الرابح الأكبر.. عطاء بن أبي رباح

أحمد زعتر.. المنسق الإعلامي بوزارة الأوقاف

لا شك أن الاهتمام بالمظهر يلازمه الاهتمام بالجوهر، فماذا إذا لم يكن لك مقدرة سوى الاهتمام بالجوهر؟! فموضوعنا اليوم عن التابعي عطاء بن أبي رباح، الذي يُعرف بأنه حبشي (من مدينة تعز باليمن) فهو أسود البشرة وأفطس الأنف ومفلفل الشعر وأعرج، وولد في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وكان عبدا لإمرأة من أهل مكة، أي كان في الطبقة الدنيا من المجتمع، وكان طالبا للعلم، فقد أدرك مائتين من الصحابة ولزم بعضهم وبخاصة الصحابيان الجليلان عبد الله بن عباس وأبو هريرة (رضي الله عنهما).

في مقتبل عمره قسّم وقته بين خدمة سيدته وعبادة ربه وطلب العلم، ولم يجعل لقسم أن يطغى على الآخر، فقد كان يخدم سيدته على أكمل وجه ولا يُقصّر في حقوقها، ووقت العبادة يعبد الله (عز وجل) حق عبادته، ووقت طلب العلم يلزم من بقي حيا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى أصبح عالما وفقيها، فلما رأته سيدته يفعل ذلك أعتقته تقربا لله (عز وجل).

عندما أعتقته سيدته اتخذ عطاء بن أبي رباح من بيت الله الحرام مقاما له، ونال أعلى المراتب في العلم والفقه، فلما جاء الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) إلى مكة معتمرا وجاء الناس ليسألونه، فرد عليهم قائلا: “إنِّي لأعْجبُ لكم يا أهْل مكَّةَ، أتَجْتمِعون عليّ لِتَسْألوني عن أسئلةٍ كثيرة، وفيكم عطاء بن أبي رباح؟”، أترى عزيزي القارئ ما لروعة أن يشهد صحابي لتابعي! فهذا هو الإخلاص بعينه مع الله (عز وجل)، فقد كان يقال عنه في الحج: لا يفتي الناس في مناسك الحج إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن فعبد الله بن أبي نجيح.

لنا في حياة عطاء روائع القصص نذكر منها: أن خليفة المسلمين سيلمان بن عبد الملك جاء حاجا لبيت الله الحرام ومعه ولداه، ثم طلب أن يرى عطاء، وذهب إليه فوجده يصلي في مجلسه والناس حوله، فأخذ دوره شأنه شأن أي أحد، ولما انتهى عطاء من مجلسه أقبل عليه الخليفة وأخذ يسأله عن مناسك الحج وعطاء يجيب عن كل سؤال لا يترك فيه أمرا لمستزيد، واستغرب الولدان من أن عطاء لم يعط الخليفة حقه في التعظيم، فقال لهما الخليفة: يا بني تعلم العلم فبالعلم يشرف الوضيع، وينبه الخامل، ويعلو الأرقّاء على مراتب الملوك.

وأيضا الخليفة هشام بن عبد الملك، فعندما أتى عطاء قصر الخليفة ودخل عليه في مجلسه وكان فيه أشراف الناس، رحب به الخليفة وقال له: ها هنا ها هنا؛ قاصدا أن يجلس بجواره على سريره، ثم قال له ما حاجتك، فذكر عطاء حاجة الناس، سواء أهل الحرمين، أم أهل الحجاز وغير ذلك، ثم أوصاه بنفسه أن يتق الله (عز وجل)، وقال له: اعلم أنك خلقت وحدك، وسوف تموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك أحد ممن ترى أمامك، وبكى الخليفة مما سمع، وذهب عطاء وتبعه رجل بكيس من الخليفة، فرده عطاء وقال له: ما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين.

لم يوقفه شكله عن طلب العلم، كان مخلصا لله (عز وجل)، صدق الله في طلب العلم، فتكفل الله له برزقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ” (صحيح البخاري).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات