الرأى

الإبداع.. رسالة أخلاقية

بقلم: مؤمن الهبـاء

حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” كان يؤسس فى الواقع لمنهج ورؤية للإنسان فى المجتمع ، ويؤكد أن مكارم الأخلاق هى لب رسالته ، والأخلاق تعنى مجموعة القيم العليا التى اتفق أفراد المجتمع على أن يتمثلوها ويحافظوا عليها ويتوارثوها وألا يتجاوزوها ، والإبداع الأدبى والفنى هو أحد أهم مكونات البنيان العقلى والوجدانى فى المجتمع ، ومن ثم فمن المفترض أن يكون تجسيدا لهذه الأخلاق .

والإبداع المقصود هنا ليس ذلك النوع الذى يقدم للتسلية المجانية  وملء الفراغ ، لكنه النسق الذى يقدم صياغة خاصة  للواقع من خلال ذات المبدع ، وهذه الذات لابد أن تكون ممتلئة ثقافة وأدبا وأخلاقا وقيما ، ولذلك فإن المبدع الحقيقى سواء أكان شاعرا أو روائيا أو رساما عليه أن يكون أمينا على قيم وحدود المجتمع ، وحرية الإبداع لا توضع أبدا فى علاقة تضاد مع الدين وتقاليد المجتمع وثوابته التى يقوم عليها بنيانه القيمى .

وإذا كان من حق المبدع ـ الأديب أو الفنان ـ أن يعبر عن ذاته وفق خصوصيته فمن حق الجمهور المتلقى ألا يصدم فى دينه أو أخلاقه أو ذوقه العام باسم الإبداع ، وحرية التعبير توازيها بالضرورة مسئولية اجتماعية ، والحرية بدون مسئولية فوضى ، وهذه المسئولية الاجتماعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بوازع الدين والأخلاق والقيم ، لأن المبدع لا يعمل داخل غرفة مغلقة ، وإنما هناك بيئة ثقافية واجتماعية ودينية لابد من النظر إليها ومراعاة حدودها حتى يكون للإبداع قيمة فى الحياة ، ويكون للمبدع دور إيجابى فى المجتمع .

الإبداع إذن ليس حالة من الفوضى والتسيب تقود إلى إشاعة الفاحشة فى المجتمع ، لكنه مرتبط مباشرة بالمسئولية الاجتماعية ، وقد ظهر تيار يدعى الحرية المطلقة للإبداع ، ويسعى إلى كل ما هو شاذ وغريب وهابط ومفسد للذوق العام ،  ويتعمد الاصطدام بالمقدسات طلبا لشهرة زائفة ، وهذا تدليس واضح هدفه تفكيك أواصر المجتمع وإضعافه ، فليست هناك حرية مطلقة فى أى بلد مهما رفع شعارات الحرية والليبرالية ، الحرية المطلقة مفسدة مطلقة ، ولكل أمة مقدساتها ، ولكل حرية سقف تقف عنده بالقانون ، هذا السقف يعلو ويهبط ، يتسع ويضيق ، طبقا لدرجة نضج  المجتمع ودرجة تحضره ، والتزام أبنائه باستخدام الحرية بشكل صحيح فى مجالها الحقيقى ، وفيما يتعلق بحقوق الناس وتطوير حياتهم .

حين نشر فى بريطانيا كتاب ينتقد  السيد المسيح عليه السلام أدين الكاتب وقدم للمحاكمة ، ومنع فيلم فى بريطانيا أيضا كان يتناول حياة السيد المسيح بما لا يليق ، دون أن يتحدث أحد عن حرية الإبداع المهدرة ، لكن تيار الفوضى عندنا يطالب بأن يكون الدين مستباحا ، وألا يكون قيدا على الإبداع ، وأن يباح للمبدعين التطاول على الذات الإلهية والتعريض بالوحى والإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وهذا تخريف مرفوض لأنه ينطوى على فساد عظيم ولا ينطوى على إبداع حقيقى ، فلا ثقافة لأمة بغير الدين ، والثقافة فى أية أمة يجب أن تحترم المقدسات والثوابت ، وألا تكون معول هدم .

والواضح أن تيار الفوضى والانفلات الذى يتبنى هذه المفاهيم السلبية يشكل خطورة على المجتمع وتماسكه وسلامته ، ويعمل على إبعاد الناس عن قضاياهم الحقيقية التى يجب أن يهتموا بها مثل الإصلاح والمشاركة السياسية ومحربة الفسا والإرهاب والأفكار المتطرفة ، ولذلك فإن الدعوة التى يرفعها هذا التيار زائفة ومضللة ، يتخفى وراء الحرية وهو يعلم علم اليقين أنه يهين الحرية وينتقص منها ويبتعد بالناس عن مواطن الجمال التى ينبض بها الإبداع الحقيقى .

الإبداع الزائف يدعى الشجاعة فى غير موضعها ، ويتلاعب بشعارات الحرية والتنوير ، بنما يضرب أسوأ الأمثلة للفساد والاستبداد والقمع والانتهازية الفكرية والسياسية وتخريب العقل الانسانى وتغييب الوعى .

ثم إنه يدرك جيدا أنه فاقد  للصلاحية وليست لديه قدرة على الإمتاع والإبهار وإثارة الدهشة ، وأن جمهور المتلقين قد انصرف عنه ، ولذلك فإنه يتحايل بأساليب قديمة وعقيمة لإثبات الوجود وجذب الأنظار إليه ، وأسهل هذه الأساليب التى تم تجريبها أكثر من مرة يأتى كمن الإسر اف فى الجنس إلى حد التعرى الكامل بالكلمات والفحش فى القول ، والإغراق فى الحديث عن الجسد وشهواته ومتطلباته ، والنيل دون أدنى حياء من المقدسات وثوابت المجتمع .

والنتيجة المعروفة فى مثل هذه الحالة هى إحداث ضجيج واسع فى الإعلام حول الإبداع الزائف والمبدع المزيف بحيث ينشغل به الناس ، ويتردد اسمه هنا وهناك حتى ولو بالإدانة والاستنكار مما يدفع البعض إلى أن ينخدعوا فى شعارات الحرية والتنوير المضللة مع أن أصحابها يخوضوا معركة حقيقية من أجل الحرية ولم يحدثوا تنويرا حقيقيا .

وإذا لجأ بعض الغيورين إلى القضاء لمواجهة تخاريف هذا التيار بالقانون اتهموه بالعداء للحرية والعداء للإبداع ، وهاجموا القضاء والقانون ، ونادوا بإبعاد الدين عن ساحة الفكر والإبداع حتى يتسنى لهم زلزلة المجتمع من أساسه .

وتتكرر التجربة مع شاعر يفتقد الموهبة ، وكاتب جاهل عميل ومتطاول ، وروائى محدود الخيال ركيك العبارة ، يشتهر هذا وذاك بالضجيج الذى يحدثه فى وسائل الإعلام وليس بالإبداع الذى أنتجه فى الفن أو الأدب أو الفكر .

ورغم أن السيناريو أصبح معروفا وممجوجا إلا أن هناك من لا يزال ينخدع ، والأسوأ منه من يسارع بتقديم جوائز الدولة لمن لا يستحقها من المزيفين والمضللين ، والخاسر الأكبر فى هذه اللعبة السخيفة هى القيم الجميلة التى انتهكت ، ورفعت شعاراتها على مضمون أجوف ، قيم الحرية والإبداع والتنوير ، وهى قيم يصونها الإسلام ويحتفى بها عندما تكون فى سياقها الصحيح .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق