الرأى

ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام

بقلم: د/ محمد مبارك البنداري

يجمع الإمام الأكبر د.أحمد الطيب – حفظه الله – بين العلم والإدارة ، ويتميَّز بالرؤية الإصلاحيّة مذ كان عميدًا ، بل قبل ذلك بكثير ، ولا غرو فهو من بيت تقصده القبائل والمجتمعات المختلفة للحل والإصلاح وأخذ المشورة وطلب النصيحة ،   فتراه يدعو دائما إلى الانفتاح ومواكبة العصر ، مع الحفاظ على التراث ، والمطالبة بحقوق الأمة المسلمة في عالم المتناقضات ،  وفي الأيام الأخيرة نجد عدة انتصارات للإمام الأكبر ، وسأقف مع أبرز حدثين  : مؤتمر القدس العالمي ، وجناح الأزهر الشريف في معرض الكتاب ، وتمثيله لكل المؤسسات الأزهرية .فمؤتمر القدس العالمي الذي عقد في مصر الأزهر أوصل رسالة إلى أولئك المتنطعين أن هذه ضمائرهم يا فلسطين ؟

إن القرارات القوية التي خرج بها المؤتمر تبطل وتعطل النمط الشاذ للقرار الأمريكي الذي يحاول أن يجعل القدس عاصمة لإسرائيل  ، وتبين أن القلة القليلة التي لا تملك سندًا تاريخيًّا في القدس ليس لها أيّ أحقيّة في إقامة دولة إسرائيلية تكون عاصمتها القدس الشريف ، وأنّ مشايعة كثير من الساسة ، وكثير من الدول لهذا القرار لن تجدي مع التصدي الإنساني لهذا الجور والظلم .

لقد جاء المؤتمر ليقول :إن غياب الضمير الإنساني هو السبب الرئيس ؟ فلقد شايعوا الإسرائيليين وهم يعلمون الحقائق التاريخية ، فلو شايعوهم وهم لا يعلمون هذه الحقائق ، لكان لهم من ذلك عذر واسع ، ولكنهم – قاتلهم الله – يعرفونها ، فكيف يراد إقامة عاصمة لكيان مغتصب على القدس الشريف في بلاد مقام دولة فيها ؟

لقد أثبت القرار الأمريكي  أن الدولار لا يلعب ، وإذا لعب ، فإنما يلعب على سبيل الجد الممتاز ، وإذا غنَّى الدولار بأعذب الألحان رأيت ضمائر الساسة وضمائر الدول –أيضًا- ترقص على نغماته رقصًا يشبه رقص (الزار ) فيه اختلال وارتعاش ، وفيه تشنّج وتخبط ، وفيه لغط كبير .

لقد اختفت القيم ، واضطربت المقاييس ، وأصبح القياس الفاسد هو المثال المحتذى في هذا العصر ، ومع كل هذا الظلام جاء مؤتمر الأزهر ليقول : نريد عصرًا مستنيرًا لا يكون على نمطٍ شاذٍّ !

لقد أعاد المؤتمر ريادة الأزهر للأمة المسلمة ، ودفاعه الدائم عن قضاياها ، وجاء ليثبت دور مصر التاريخي والمحوري في الدفاع عن فلسطين ، جاء ليقول لهؤلاء الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية :هيهات هيهات ! ضاق فتر عن مسير ، ليس التكحّل في العينين كالكَحل ، فالأزهر تاريخه ناصع ، ورُزق بشيخة أجلاء كشيخنا وإمامنا الأكبر د.أحمد الطيب –حفظه الله -.

والحدث الثاني : هو جناح الأزهر الشريف في معرض الكتاب الدولي ، في دورته الحالية ، هذا الجناح الذي لم ينشأ في المعرض إلا بقرار الإمام الأكبر د.أحمد الطيب – حفظه الله – ، وهو خطوة موفقة مباركة ، لقد جاء هذا الجناح ليثبت أنَّ التنمية والثقافة شيء واحد ، وليطرح ثقافة التخلف ، ويحارب الأفكار الهدّامة والمتطرفة ، ويحارب –أيضًا- الغلو والانزواء ، والانفلات والإباحية ، ويقابل ذلك بخطاب معتدل يأخذ في الاعتبار ثوابتنا الدينية والتاريخية ولا يحول بيننا والآخر ، أو يفصلنا عن العالم الذي أصبح في ظل ثورة الاتصال والمواصلات قرية صغيرة ، وذلك من خلال ندواته وورش عمله المتعددة.

لقد عرف شيخ الأزهر أن التنمية الثقافية للمؤسسات الأزهرية من أهم عناصر التنمية الشاملة لمصرنا الحبيبة ، لما للأزهر من تأثير قوي على حركة المجتمع نحو التقدم والرقي والتطلع إلى آفاق مستقبليّةٍ رحبةٍ .

فجناح الأزهر في المعرض يقدم الكثير من اللقاءات الفاعلة من أجل التوعية الدينية ، وإيثار الوطن كجزء من كيان الإنسان نفسه ، ومن ثم الخوف عليه وتأصيل حمايته وتطبيقها في ذاته ، وعلى مؤسساتنا الثقافية أن تنحو نحو الأزهر في تعميق منهج الوسطية ، وأن تبتعد في خطابها عن الغلو ،وأن تغرس في نفوس الشباب والشابات حب الوطن والإيمان الراسخ بالمجتمع ، وعدم المساس بأمنه ، فمقدرات الوطن ومنجزاته ليست مسئولية فرد أو حكومة ؛ولكنها مسئوولية المجتمع بشكل عام وبجميع أطيافه الثقافية .

إنَّ جناح الأزهر بمعرض الكتاب الدولي يثبت أنّ الثقافة لا تصنعها وزارة الثقافة منفردة ، ولا تختص بها ، بل يشاركها كل مؤسسات المجتمع ، بل كل فرد من أفراد المجتمع وعلى رأس هذه المؤسسات الأزهر الشريف .

وكأني بقائل يقول : الخطط والاستراتيجيات موجودة ؟ ، ربما يكون ذلك ، لكن المهم هو ما ينفذ من تلك الخطط لا ما يكتب على الورق ويحفظ في الأدراج .

لن أتحدث عن بداية  جناح الأزهر في المعرض  وتقسيماته ،  ومدى تفاعل الجمهور مع المكان والزمان ، ولكنني سأشير مرة أخرى إلى تنظيم المحاضرات وورش العمل لنشر الثقافة الدينية الصحيحة ، بل والثقافة عامة بين أواسط رواد المعرض ، وجلّهم من الشباب ، والتعرف على التراجم الشخصية لشيخة الأزهر وأعلام الفكر .

لقد جاء جناح الأزهر في معرض الكتاب الدولي في دورته الحالية  ليؤكد على عزم الإمام الأكبر د.أحمد الطيب – حفظه الله – على تطوير المؤسسات الأزهرية ، وإبراز نشاطاتها المجتمعية في كل المحافل الثقافية والاجتماعية ؛ لتعديل الاتجاه السائد الذي يميل للتركيز على دور الأزهر التعليمي داخل المعاهد والجامعة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات