الرأى

أدونيس.. وتهافت التهافت

عين العقل.. بقلم: مؤمن الهبـاء

أدونيس هو الشاعر السورى على أحمد سعيد إسبر الذى تخلى عن إسمه العربى الإسلامى وتبنى منذ 1948 هذا الاسم  الذى هو لأحد الآلهة فى اللغة الكنعانية الفينيقية القديمة ، لم تقم شهرة أدونيس فى الأوساط الثقافية على الشعر والأدب والإبداع مثل نزار قبانى مثلا ، فقلما تجد أحدا يذكر له قصيدة أو يقرأ نقدا لإنتاجه ، وإنما قامت شهرته من خلال جرأته الدائمة على تحقير تراثنا العربى والإسلامى ، وإلصاق كل نقيصة به ، واتهام العقل المسلم  بالتخلف بسبب الفهم الدينى او القراءة الدينية التى يتبناها ، وقد حاز قصب السبق فى هذا الاتجاه باسم الحداثة قبل كثيرين أمثال محمد سعيد العشماوى وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد ومراد وهبة  وجابر عصفور وحلمى النمنم ورفعت السعيد وغيرهم .

عرفت أدونيس من خلال ما يكتبه من خواطر وتهويمات غامضة ـ يسميها شعرا ـ فى زاويته الأسبوعية بجريدة الحياة اللندنية ، وزاد اهتمامى بخطابه المراوغ عندما دعته وزارة الثقافة ليتحدث فى ندوات معرض الكتاب عام 2015 عن تجديد الخطاب الدينى رغم أن الرجل يعلن فى كل مناسبة أنه لادينى ، وكان مما قاله فى المعرض أنه لا يدعو إلى تجديد الخطاب الدينى وإنما إلى تجديد تأويل الدين وإحداث قطيعة كاملة مع القراءة السائدة له ، زاعما  أن الدولة الإسلامية قامت على العنف والدم وإقصاء الآخر ، ثم دعا فى ختام محاضرته إلى إنشاء جبهة علمانية تعيد قراءة الموروث العربى وتقدم قراءة جديدة للدين .

ومؤخرا قامت الهيئة العامة لقصور الثقافة بإعادة طبع كتابه ” الثابت والتحول ” الواقع فى أربعة أجزاء ، كل جزء يضم حوالى 400 صفحة من القطع المتوسط ، وهذا الكتاب كان فى الأصل أطروحته المقدمة إلى معهد الآداب الشرقية  فى جامعة القديس يوسف ببيروت لنيل شهادة الدكتوراة فى الأدب العربى كما كتب أدونيس نفسه فى المقدمة ، وقد أشرف عليها الدكتور الأب بولس نويا اليسوعى ، وشارك فى مناقشتها بالإضافة إليه الأساتذة الدكتور سعيد البستانى والدكتور عبدالله الدائم والدكتور أنطون غطاس كرم .

ورغم أن البحث مقدم لنيل شهادة الدكتوراة فى الأدب إلا أنه ذهب بعيداعن الأدب وركز على  نقد العقل المسلم المتهم بالتخلف لأنه يتبنى تأويلا دينيا يدعو للجمود ويحارب العلم والحداثة والتطور والتنوع المعرفى ، ومن العجيب أن يشرف على البحث أستاذ لاينتمى لهذا الدين المطعون فيه ، وقد كان واجبا عليه أن يتنحى عن هذه المهمة تجنبا للحرج كما يفعل القضاة عندما يكون لهم موقف مع أو ضد المتهم فى القضية التى ينظرونها .

ومن السطور الأولى للكتاب تستطيع أن تكتشف بسرعة تهافت الفكرة التى بنى عليها أدونيس أطروحته ، وسذاجة الفرضية التى افترضها ثم أخذ يجمع لها الأدلة والبراهين التى تثبتها ، وهو فى ذلك كله قد تجاوز التهافت إلى تهافت التهافت ، وتكفى نظرة بسيطة فيما كتب لكى تنسف فرضيته من أساسها .

يقول أدونيس فى الصفحة 12من الجزء الأول :  ” فى أساس الإشكال المعرفى العربى أن الاتجاه الذى قال بالثابت النصى على المستوى الدينى ، قاس الأدب والشعر والفكر بعامة على الدين ، وبما أنه ، لأسباب تاريخية ، كان يمثل رأى السلطة ، فإنه فى الثقافة التى سادت كانت ثقافة السلطة ، أى أنها كانت ثقافة الثابت ، هكذا حدث فى الممارسة تمفصل بين الدينى السياسى من جهة ،  والثقافى من جهة أخرى ، وتحولت المعرفة الدينية الخاصة إلى معيارية معرفية عامة ” .

هنا يبدأ خيط التهافت الذى أشرت إليه ، فالرجل تصور ـ لاأدرى كيف ـ أن الثابت النصى” القرآن والسنة ” فيما يتعلق بالمعرة الدينية قد انسحب على الأدب والشعر والفكر بعامة ، وهى فرضية خاطئة بالكامل ومخاتلة ، لأن الثابت على المستوى الدينى يتعلق فقط بالأحكام الشرعية والغيبيات والفروض والعبادات ، أما مادون ذلك ، حتى من أمور الدين،  ففيه متسع من الاختلاف والتباين فى وجهات النظر ، ناهيك عن التعدد والتنوع المعرفى الذى يسمح بالتجديد والتطوير والتحديث فى التأويل والتفسير ، وإلا ماكان هناك مجال لتعدد المذاهب والاجتهادات التى قال عنها الشيخ الغزالى رحمه الله أنها تمثل أحزابا ومدارس فى الفكر الإسلامى .

الإسلام هو الدين الذى اعترف بالتعدد والتنوع والتجديد ، وأئمته أصحاب مقولة عبقرية مشهورة : ” رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب” ، والقرآن الكريم الذى يعبر عنه أدونيس بـ ” النص ” يحض الناس على أن تتفكر فى السماوات والأرض وأن تبتكر وتكتشف ، والقرآن فى ثقافتنا هو كتاب الله المسطور بينما الكون كله هو كتاب الله المفتوح ، وقد فتح  الإسلام لأبنائه كل الأبواب للعلم والمعرفة دون التقيد بأية ثوابت غير ثوابت الدين التى لا تتصادم ولا تحد من آفاق المعرفة ،  ” اطلبوا العلم ولو فى الصين ”  ، والعلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وخبركم من تعلم العلم وعلمه ، وتراثنا ليس فيه واقعة تشابه واقعة قتل جاليليو مثلا لأن المعرفة عندنا بلا ثوابت وبلا حدود .

لقد أسس أدونيس فرضيته المتهافتة على واقع المسلمين المتخلفين اليوم لكنه لم ينظر إلى مرحلة أخرى سابقة فى تاريخهم كانوا فيها سادة العلم ورواد الحضارة وأساتذة العلم ، وأقاموا حركة هائلة لترجمة كل العلوم وأضافوا إليها ، وكان هذا هو الأساس الذى قامت عليه نهضة الغرب باعتراف أهله .

إن أزمة العقل المسلم اليوم تعود إلى ابتعاده عن دينه وتشتته والقطيعة المفتعلة مع تراثه نتيجة فهمه الخاطئ لهذا التراث ، وليس بسبب الدين أبدا كما يروجون ، قد يحصل أدونيس على جائزة نوبل لحرصه الدائم على تشويه واحتقار كل ماهو عربى ومسلم ، لكنه أبدا لن ينجح هو وأمثاله فى زراعة الراية الحمراء فى الأرض الخضراء .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

handjob-hd.net
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات