sliderالحوارات

آخر حوار للدكتور عبدالشافي عبداللطيف.. عضو هيئة كبار العلماء

حضاراتنا تتعرَّض لحملات "مَسْخ" وطمس هويّة

تاريخنا مُشَرِّف وليس فيه ما يُخْجِلنا.. ولن نلتفت لمزاعم الأعداء

حوار- جمال سالم:

فقدت الساحة الدينية والثقافية مؤخَّرا المؤرِّخ الإسلامي الكبير د. عبد الشافي عبداللطيف- عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- الذي التقته “عقيدتي” ودار الحوار معه حول العديد من القضايا، منها ما يتعرّض له التاريخ الإسلامي والعربي لحرب ضارية من التغريبيين والغربيين على حد سواء، بهدف مسخ هوية الأمة وعمل غسيل مخ لأجيالها، ليظلوا في حالة هزيمة نفسية تجعلهم يرفعون الراية البيضاء لأعدائهم ويتخذونهم قدوة، ولهذا فإن الحرب علي حضارتنا الإسلامية وتاريخنا الذي سجَّل أحداثها لن تتوقف تحت مسمَّيات برَّاقة أشبه ما تكون بمن يضع السم في العسل، فضلا عن محاولات تزييفه والافتراء عليه.

وفيما يلى نص الحوار الذى أُجرى معه، قبيل وفاته.

*يتعرض التاريخ الإسلامي والعربي للطعن والتشويه، فمن هم الذين يستهدفون هذا التاريخ لأمّة ازدهرت حضارتها قرونا طويلة كانت خلالها مثالا للتسامح والرحمة والتعايش السلمي مع غير المسلمين؟

** لابد أن نتعرَّف علي الطاعنين في التاريخ الإسلامي وينقسمون إلي ثلاث فرق، أولها: في الداخل ويقوده بقايا الشيوعية التي انتهت في العالم كله إلا في عالمنا العربي، فما زالت لها ذيول يعادون الأديان عامة والإسلام خاصة، وجزء من كراهيتهم للإسلام يمتد إلي التاريخ الإسلامي، وأول من تنبَّأ بسقوط الشيوعية أديبنا الكبير عباس محمود العقاد، حيث أعلن عام 1957، أن أربعين عاما مضت وبقيت أربعين أخري من عمر الشيوعية في العالم،

الفريق الثانى

الدكتور عبد الشافى عبد اللطيف

أما الفريق الثاني الطاعن في التاريخ الإسلامي فهم العلمانيون ومن علي شاكلتهم الذين يريدون أن يفعلوا في الاسلام ما فعله العلمانيون الغربيون في المسيحية حيث جعلوها حبيسة الكنائس تحت شعار “دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر” والفريق الثالث فهو المستشرقون غير المنصفين وكذلك المعادون للإسلام مهما اختلفت دياناتهم ومسمياتهم، وهؤلاء يشوِّهون تاريخنا الإسلامي وإظهاره علي أنه تاريخ دموي قائم علي العدوان الدائم علي الغير وكذلك وصفه بأنه تاريخ يمجد “الديانة المحمدية” كما يطلقون علي الإسلام الذي يرونه من وضع محمد- صلي الله عليه وسلم- وأن القرآن من تأليفه وقد عمل مؤرّخو الإسلام- من وجهة نظر المعادين- علي تجميل واقع المسلمين عبر التاريخ وتمجيد الحكام في كل العصور، ولهذا فهو تاريخ- من وجهة نظرهم- يفتقد إلي الموضوعية والأمانة والشفافية ولا المنهج العلمي الذي يجب علي أساسه كتابة التاريخ.

أهداف خبيثة

*ما هي أهداف ودوافع الطاعنين في تاريخنا الإسلامي من وجهة نظركم؟

** هدفهم الظاهر التحقيق العلمي لهذا التاريخ أما هدفهم الحقيقي فهو بثَّ سموم كراهيتهم للإسلام وكل ما له صلة به سواء في “التاريخ” عبر قرون طويلة منذ بداية الإسلام حتى الآن، وكذلك في “الجغرافيا” وكل بقعة في العالم فيها وجود للمسلمين، وينظر هؤلاء الأعداء إلي التاريخ بشكل انتقائي وتزييفه وتدليسه بمعني اجتزاء بعض الحوادث التاريخية من سياقها الزماني والمكاني ومحاولة اتخاذها وسيلة للطعن في الإسلام حتى لو كانت مخالفة لما يدعو إليه الإسلام، مثلما يتم حاليا نسبة الإرهاب والعنف إلي الإسلام رغم أنه دين الرحمة حتى بالحيوان، وقد وصل الأمر ببعض الأدعياء الحاقدين علي الاسلام الي الهجوم علي مؤسساته وعلي رأسها الأزهر حتى أن بعضهم قال “إن مصر أفضل بدون الأزهر” وقال آخر “يجب وضع الأزهر علي رأس المنظمات الإرهابية الدولية”.

تاريخ عظيم

*هل تاريخ أمتنا الاسلامية المكتوب يتناسب مع عمرها الطويل واتساع مساحتها وثراء الحوادث؟

** يؤكد المؤرِّخون الثقات أن عناوين الكتب الإسلامية تقترب من مائة مليون عنوان، وعناوين بعض الكتب قد يكون فيها مائة مجلد، ومن المتفق عليه أن التاريخ بأنواعه يشغل ما يقرب من نصف هذا العدد لأن المؤرخين المسلمين رصدوا في كتاباتهم كل شئ خاص بالإنسان والبيئة وغيرها ابتداء من بدء الخليقة حتى نهاية حياة كل مؤرخ منهم، كما رصدوا تاريخ الأقاليم والبلدان والتراجم وقد يتعجب البعض عندما يعرف أنهم أرَّخوا حتى للحمقى والمغفَّلين والعرجان والعميان، ووصل الأمر بأنهم أرَّخوا للحيوانات فتجد أنساب الخيول، ولهذا فهو تاريخ منوَّع لأبعد الحدود.

جمع عشوائي

*لكن البعض عاب علي المؤرِّخين المسلمين بأنهم لم يحققوا كثيرا مما كتبوا وكان بعضهم يجمع المعلومات دون تنقيح، فكان كحاطب ليل؟

** هذا صحيح نسبيا وإلي حد ما، لأن التاريخ- كما سبق أن قلنا- عمل بشري فيه الصواب والخطأ ولهذا كتاب مقدس له العصمة، وبالتالي فهو يحتاج إلي تنقية وإعادة قراءة موضوعية بشكل دائم، وهذا ما طالب به بعض المؤرِّخين القدامى أنفسهم حيث كتب الإمام الطبري، شيخ المؤرِّخين المسلمين علي الإطلاق في كتابه “تاريخ الرسل والملوك” جملة أكد فيها هذا المعني حيث قال بالنص: “إن القارئ سيجد في هذا الكتاب أسماء غريبة وغير معقولة فليعلم أنه لم يؤت من قِبَلِنا وإنما نحن نقلنا ما وصل إلينا” وبالتالي فهذا اعتراف بأنه نقل كل ما وصل إليه سواء كان صوابا أو خطأ ووضعه أمام المؤرِّخين والقراء الذين عليهم أن ينقّوا وينتقدوا ويحلّلوا بعقولهم.

اعتراف ومصداقية

 

*ألا تري أن هذا الاعتراف يقلّل من أهمية التاريخ الإسلامي ويقلّل من مصداقية ما كتبه المؤرّخون المسلمون؟

** هذا الاعتراف بعدم الكمال هو نوع من الصدق والأمانة، ومثل هذا الاعتراف قاله كل المؤرِّخين المنصفين في كل الأمم، وبالتالي ليس هذا الطعن خاص بتاريخنا فقط بل إن هناك أضعاف ما لدينا من أخطاء في كتابات كل المؤرِّخين في كل العصور والأمم والحضارات، وقد أعجبني تحليل المفكر الكبير د. أحمد أمين حين علَّق علي الكلام السابق للإمام الطبري حيث أكد أن المؤرّخ هنا أشبه ما يكون بوكيل النيابة الذي يحقق ولا يترك شاردة ولا واردة الا كتبها ولو معلومة بسيطة يمكن أن توصّله الي الحقيقة ثم يضع ذلك كله أمام القاضي وهو الذي يحقّق ويفحص المعلومات ليصل إلي الحقيقة.

اجتزاء وافتراء

د. عبد الشافي عبداللطيف
د. عبد الشافي عبداللطيف
*رغم أن حضارة المسلمين هي حضارة التعايش السلمي مع الآخر عبر العصور إلا أن البعض يحاول اجتزاء بعض فترات التاريخ الإسلامي ليستشهد بها علي اضطهاد المسلمين لغيرهم، فما ردكم؟

** أتحدي أن توجد حضارة بشرية حرصت علي التعايش السلمي بين أبناء المجتمع الواحد مثلما حرصت الحضارة الإسلامية حيث عاش في سلام، المسلمون مع أهل الكتاب، بل ومن لا دين سماوي لهم من أتباع الأديان الوضعية طالما لم يعتدوا عليهم وحرَّضوا علي ذلك وخاصة في عصور القوة والازدهار حيث حرص الحكام علي الالتزام بقواعد الشرع الذي حدد العلاقة بين المسلمين وغيرهم في قول الله تعالي: “لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”.

تعميم مرفوض

*لكن البعض يستشهد ببعض الحوادث من التاريخ الإسلامي التي ليس فيها تعايش سلمي ويحاول تعميم ذلك علي كل تاريخ الحضارة الإسلامية، فما ردكم عليهم؟

** التعميم مرفوض ولا يقوم به إلا من في قلبه مرض وحقد علي الإسلام والمسلمين ولهذا يقوم بالتدليس والتزييف والاستشهاد بأحداث من مراجع ضعيفة غير معتمدة، أو بحالات استثنائية في بعض عصور الضعف من جانب بعض الحكام أو الولاة ضعاف الإيمان الذين وقع أذاهم علي كل البشر بما فيهم المسلمين أنفسهم، ويظل هؤلاء المتوحّشون مثل الحجاج بن يوسف الثقفي منبوذين في تاريخنا الإسلامي واستثناء من القاعدة العامة المتسامحة مع غير المسلمين حتى أن كثيرا من غير المسلمين كانوا وزراء ومستشارين للحكّام بل إنه في بعض العصور كان عامة الشعب من المسلمين يحسدون غير المسلمين علي ما وصلوا إليه في دولة الإسلام، ولهذا أؤكد أننا أبناء حضارة تمقت التعصب وإذا حدث في أي فترة تاريخية فهو يحدث ممن لا دين لهم في معاملة البشر عامة سواء المسلمين أو غير المسلمين.

إنسانية حضارتنا

*ما ردكم علي المستشرقين ومن علي شاكلتهم من أبناء جلدتنا ممن شكّكوا في إنسانية الحضارة الإسلامية، وبالتالي في إنسانية الإسلام نفسه؟

** الحاقدون علي الإسلام وحضارته موجودون في كل عصر حتى من بعض أدعياء الإسلام أو المتأسلمين أنفسهم أو المنافقين المعاصرين، ولهذا فإن صدور هذا الطعن من المستشرقين غير المسلمين أمر ليس بمستغرب، وإذا كان هناك مستشرقون غير منصفين فإن هناك مستشرقين منصفون، فلماذا يتم التركيز علي الحاقدين وتجاهل المنصفين؟ ومع هذا فإننا نرد بالحكمة والموعظة الحسنة والأدلة التاريخية علي غير المنصفين أيا كانت عقيدتهم أو مِلَّتهم وشعارنا في ذلك قول ربنا سبحانه وتعالي: “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”.

وأتحدى أن يأتي هؤلاء الحاقدون بأمر إلهي أو نبوي يحتقر الانسان غير المسلم أو يقلّل من شأنه أو يبيح ظلمه، أليست هناك عشرات بل مئات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تبدأ بـ”يا أيها الناس”. ألم يوصِنا الله بالإحسان والبر بكل الناس فقال الله تعالي “وقولوا للناس حسنا” وأكد الأخوة الانسانية فقال سبحانه “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

الفتوحات الإسلامية

*يصف البعض من المتأسلمين وغير المسلمين الفتوحات الإسلامية بأنها كانت غزوا دمويا أجبر غير المسلمين علي الدخول في دين الله بالإكراه؟

** هذا الزعم لا يردّده إلا جاهل أو حاقد لأن شعار كل الفتوحات الإسلامية قول الله تعالي “لاإكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي”. ويكفي أن نذكر أن الغالبية العظمي من أرض الإسلام الآن دخل أهلها الإسلام بغير حروب إطلاقا إنما عن طريق التجار والمتصوفة والدعاة المسالمين، والتاريخ خير شاهد علي ذلك،

وهنا أتذكر ما قاله المستشرق والمؤرخ البريطاني “توماس أرنولد” الذي رد علي هذا الافتراء: “إن تسامح العرب كان وراء دخول الكثير في الإسلام”، والحق ما شهدت به الأعداء، وهذا البلاد التي دخلها الإسلام بالحروب غير العدوانية وإنما لرفع الظلم عن أهلها، كما أن المسلمين الفاتحين خيَّروا أهلها بين الإسلام أو البقاء علي دينهم مقابل الجزية التي تجعل المسلمين يتولّون الدفاع عنهم وعن مقدساتهم مع منحهم حرية إقامة شعائرهم الدينية ومن يشكّك في ذلك يقرأ “وثيقة المدينة” بين الرسول صلي الله عليه وسلم وغير المسلمين بالمدينة والمنورة التي تعد اول دستور يقر مبدأ المواطنة والتعايش السلمي بين أبناء العقائد المختلفة، وكذلك “العهدة العُمرية” بين الفاروق عمر بن الخطاب وأهل بيت المقدس، وكذلك سلوكيات البطل صلاح الدين مع غير المسلمين.

مناهج التعليم

*ما هي خطورة دعوة البعض إلي إخلاء مناهج التعليم العربية والإسلامية من أبطال الفتوحات الإسلامية بزعم أن هذا يؤدي إلي نسيان الماضي العدائي بين الأمم وفتح صفحات جديدة من التسامح؟

** هذه مقولة حق يراد بها باطل لأن هدفها الحقيقي طمس هوية الأمة وعمل غسيل مخ لأجيالها لأنه لا توجد أمّة بتاريخ انتقائي كما يريدون، ولهذا لنا في تاريخنا أبطال فاتحون وليس لدينا ما نخجل منه بل إننا نفخر بهم، ولهذا فإننا لن نتنازل عن تاريخنا أو هويتنا حتى يرضى عنا أعداؤنا الذين لن يتوقفوا عن ابتزازنا بكل الوسائل وتحت مسميات براقة، ولينظر الغربيون والتغريبيون إلي تاريخ الغرب وتراثه نظرته إلي الإسلام ونبيه- صلي الله عليه وسلم- وأتباعه في كل العصور منذ صدر الإسلام إلي الآن، فهم أبناء حضارة عدوانية استعمارية للآخرين عبر التاريخ ومن يجهل ذلك يقرأ تاريخ الغرب، فلماذا هذا “العور” في النظرة للتاريخ والتربّص بأمتنا وتاريخها المجيد؟!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات