sliderالحوارات

تجديد الخطاب الديني لا يعني إهالة التراب على ثقافتنا وتاريخنا

د. سهير الفيل.. الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات لـ"عقيدتى":

لا يوجد في مقرَّرات الأزهر بكل تخصصاته ما يدعو إلى التشدّد أو الجمود

تنقية كُتب التراث ضرورة.. فبعضها لا يتفق مع روح العصر

هناك من تسلَّلوا إلى الأزهر.. لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب الدعوة

حوار:  إسلام أبو العطا

أكدت د. سهير الفيل- الأستاذ بقسم العقيدة والفلسفة بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة، مدير وحدة الجودة بالكلية- أن التجديد في الخطاب الديني أصبح ضرورة مُلِحَّة وهامَّة، ولا يعني ذلك أن نُطيح بالترث كله، أو نُهيل التراب على ثقافتنا وتراثنا، ولكن ينبغي أن نستدعي منه ما يتلاءم مع معطيات العصر ومتطلباته.

وقالت في حوارها مع “عقيدتى”: إن كتب التراث بالفعل تحتاج إلي تنقية، ولا يعني هذا بالضرورة، أن كلها بها ما يخالف الشرع والدين، ولكن لأن بعضاً من كتب التراث يحتوي قضايا ونماذج قد لا تتفق مع روح العصر ومعطياته.

أضافت: هناك البعض ممن تسلَّلوا إلى الأزهر الشريف، لينالوا شرف الانتماء إليه، لا من أجل حمل رسالته الجليلة، المتمثّلة في نشر الإسلام السمح الوسطي الحنيف لإيصالها إلي الناس كافة، ولكن من أجل مصالحهم الشخصية.

وفيما يلى نص الحوار الذى أُجرى معها

د سهير الفيل
  • ما هي صفات الداعية المعاصر؟

** من صفات الداعية المعاصر: علم غزير، ثقافة واسعة، مهارات متنوعة، فالداعية لا يليق به أن يقف عند حد معين من العلم الشرعي، أو الثقافة العامة، بل عليه أن يستزيد من ذلك على الدوام, ليكون عند حُسن ظن سامعه، بالإجابة والتفسير والتعليل والتحليل لأسئلة واستفسارات جمهوره، ثم ينوِّع من أساليب الدعوة وطُرُق الإقناع،  لِيُحدِثَ الإبهار في نفوس سامعيه، فينجذبوا لحديثه وينهلوا من فضل علمه الغزير.

مُراعاة عامِلَ الوقت: وهو ممَّا كان يحرِص عليه الرسول الكريم- صلَّى الله عليه وسلَّم- حيث كانت دعوته صلى الله عليه وسلم تأخذ أشكالاً متنوعة، فتارةً بالقول، وأخْرى بالفعل والسلوك والقُدوة الحسنة، وبالتالي كان صلى الله عليه وسلم يُجيد اختيار الوقت الملائم، لدعوة الناس إلى ما يريد أن يدعوهم إليه، كي لا تملَّه النفوس، ولا تسأمه الأفهام، ومن هنا حازت دعوته القلوب العقول والأفهام والنفوس جميعاً.

مناسبة المقال لمقتضَى الحال: بمعنى أن تكون الدعوة أو الموعظةُ مما يتلاءَم مع مقتضى حال المدعوين، فينظر الداعي أيَّ مرَض أو آفة اجتماعية تغلُب على قومِه أو مجتمعه، فيتحدَّث فيها، ويُحذِّر منها فمن الحِكمة أن نفعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، فقد كان- صلَّى الله عليه وسلَّم- لاختياره الأمثل لمقتضَى الحال، أبلغُ الأثر في المدعوِّين في حالة الفَرَح أو الحزن وغيرها مِن الأحوال في عامَّة مواعظِه وإرشاده- صلَّى الله عليه وسلَّم.

وعليه، فعلى الداعية أن يتفرَّسَ ويتفحَّص وجوه الحاضرين، ليرى مدَى استعدادهم لتلقِّي ما يُقال لهم، فالموعظةُ الغرضُ منها هو أن يستفيدَ الحضور.

سلامة القصدـ ومعرفة الحقيقةـ والشجاعة لذكرها وخير الدُعاة من اجتمعت عنده، سهولة التعامل مع، واستخدام، وسائل التكنولوجيا الحديثة من الكمبيوتر والبروجيكتور والداتا شو، وشبكة التواصل الاجتماعي.. الخ.

داعية متميزة

  • ومتى نري داعية إسلامية متميزة ولها جمهور كبير؟

** عندما نرى الابنة المتميزة، والزوجة المتميزة، والأم المتميزة، وربِّة الأسرة المتميزة، والمعلِّمة المتميزة، والطبيبة المتميزة، بكل تأكيد وقتها سنري، وبفخر، المرأة الداعية المتميزة.

إن تعديد الأوصاف والخلال في مثل هذه المواقف لن يجدي، لأن كل إنسان من الممكن أن يتعلم، أو يحفظ عن ظهر قلب، وكثيرون هنَّ مَن يٌجدن هذه المهارة، مهارة حفظ معسول الكلام، وجميل الأشعار، وجزيل الخُـطَب والمقالات، ثم ترددنها ترديداً أجوفا، خالياً من الروح، مُحَطَم المعنى، مُهَدَم المبنى، ولذلك فهي بالكاد تبلغ حناجر قائليها، ولا تتعدى أكثر من ذلك، لأنها لم تكن من القلب، ولا انفعلت بها جوارح قائليها، ولا انطبعت واندمجت وتفاعلت مع ظروف ومقتضيات حال سامعيها، فعندنا مثلاً.. الإعلام.. يضج بمن يسمونهن “الداعيات”، وكذلك “الدُعاة”، ونحن نسمع ضجيجاً ولا نرى طحيناً، وإلا لَمَا طلعت علينا هذه النماذج البشرية المُهترئة، في السنوات القليلة الفائتة، والتي آذت منا الأسماع بوضيع الألفاظ والعبارات والأصوات، وشوَّهت منا مواضع العيون بقمئ المناظر، وأدمت منا القلوب بالقتل والتفجير والاغتيالات، إلا مَن رَحِم ربي، من أولئك وهؤلاء.

وهيهات أن نعقد مقارنة بين الداعيات المُعاصِرات والداعيات في عصور الإسلام الأولى، لأنه وبدون شك، ستكون المقارنة فاشلة وجائرة.

فأين معظم المُعاصِرات من هؤلاء الأوائل، اللاتي كُنَّ مشاعل مضيئة في بيوتهن، وملاذاً آمناً لأزواجهن، وحضناً دفيئاً لأولادهن، وسَكناً رحيماً حنوناً بأُسَرِهن؟! فهذه أُمّنا خديجة- رضي الله عنها وأرضاها- كانت أول مَن نَصَر الإسلام، وأول مَن ساهم في إقامة الدعوة الإسلامية، ومع ذلك لم نسمع قط بأنها ارتادت المنتديات، ولا حضرت المؤتمرات، إنما كانت زوجاً حنوناَ وأماً رءوماً، وهذه على سبيل المثال أيضاً لا الحصر، أمّنا عائشة- رضي الله عنها وأرضاها- بَلَّغت عن رسول الله- صلى الله عليه وسَلم- كل فقه النساء تقريباً، وبتوجيه من الرسول عندما قال: “خذوا نصف دينكم عن هذه الحُمَيراء”، ومع ذلك ما كانت راحة رسولنا الكريم إلا في بيتها وعلى راحة كفيها، وما غابت عن عين زوجها طرفة عين، يقول رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: “لإن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حُمر النِعَم”.

وبناءً عليه فالمرأة في نفسها بالخُلُق الطيب والتسامح ولين الجانب داعية، وفي بيتها بالرعاية والعناية داعية، ومع زوجها بالحب والرحمة والسَكَن داعية، ومع أولادها وفلذة كبدها بالحنان والرعاية والاهتمام داعية، ومع والديها ووالدي زوجها بالبر والتيسير داعية، ومع أهلها وأهل زوجها بالمودة وِصِلَة الرَحِم داعية، ومع جيرانها وصويحباتها بالمساعدة والمعاونة بأوجه الخير داعية.. إلخ.

ومهما يكن من أمر فإن العِبرة ليست بالجمهور الغفير، ممن يستمعون ولا يتجاوز الحديث آذانهم، ولكن العِبرة بالنتيجة، العِبرة بالهَديَّة التي تقدمها المرأة للمجتمع، لأنها من الممكن أن تهمل البيت والزوج والأولاد والأسرة، فتقدم للمجتمع شياطين من الإنس وأوبئة بعَدَد مَن أهملتهم من أفراد أسرتها، إنها في الظاهر قد تقدم للمجتمع الطبيب والمهندس والمُعلّم ورَجل القانون، ولكن هؤلاء من الممكن أن يكونوا كغثاء السيل، ويكونوا نقمة على المجتمع بدلاً من أن يكونوا نعمة، وبالتالي يضيع جهدها هباء، أو على أحسن تقدير، يتسم كل منهم بالأنانية المفرطة، لأنه تعوَّد على الأخذ فقط، فيكونوا عبئاً على المجتمع، الذي بات يئن بمثل هذه النماذج.

أنا لست متشائمة ولكني فقط أود تذكير أخواتي وبناتي بأن هناك أولويات، وتحديد الأولويات وترتيبها الترتيب الصحيح سيمنحك فرصة ثمينة لتكوني أنتِ الداعية التي يُشار إليها بالبنان، كسَلَفك الصالح.

مناهج الأزهر

د. سهير الفيل
  • دعيني أنتقل مع حضرتك إلى نقطة أخري مهمة وهي عن أسباب الهجوم على المناهج الأزهرية؟

** يقول الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أُمَّة وسطا) والأزهر الشريف منذ نشأته، يحمل على عاتقه هذه المسئولية، نشر الإسلام بتعاليمه الوسطية المعتدلة، وهو كمؤسسة، لديه القُدرة على احتواء وقَبول كافة المذاهب، علي اختلاف توجهاتها، دون أن يُطلق وصف التكفير على أي منها.

فهناك البعض ممن تسلَّلوا إلى الأزهر الشريف، لينالوا شرف الانتماء إليه، لا من أجل حمل رسالته الجليلة، المتمثلة في نشر الإسلام السمح الوسطي الحنيف لإيصالها إلي الناس كافة، ولكن من أجل مصالحهم الشخصية، وتوَّجهاتهم غير السوية، للحصول على شهادات علمية، يخادعون بها بُسطاء الناس وعوامهم، ومَن لا يعرفون حقيقة نواياهم، لإطلاق فتاوى شاذة وبعيدة عن روح الإسلام.

وأما بالنسبة للمقرّرات والمناهج الأزهرية، فأرى أنها- في أغلبها الأعم- مناهج حوارية، تقوم على تعدد الآراء واختلاف الرؤي.. وأنا شخصياً، وبحكم تخصصي الدقيق، وهو: العقيدة والفلسفة والأديان والمذاهب والتيارات الفكرية الحديثة والمعاصرة، أقرر بأنه لا يوجد في مقررات الأزهر، بكل تخصصاته، ما يدعو إلى التشدد أو الجمود، إذا فُهمت على وجهها الصحيح، واعتُبِرَت في سياقها الطبيعي، إذ من المفترض أنها مقررات تدعو إلي إعمال العقل والفكر وإلي الحوار والمناقشة وتبادل الرأي، ومقارعة الحُجة بالحُجة، والدليل بالدليل، وهذا لا يعني بأنني أقر بكل ما هو موجود في المقررات والمناهج الأزهرية، فهذا كله جهد بشري، يُصيب ويخطئ، ومن الضروري أن يُعرَض للتقييم والتقويم من آن لآخر، ولكي أكون مُنصِفة.. أقول بأنني- شخصياً- كنت ضمن إحدى لجان تنقية وتطوير المقررات، في مجال تخصصي، وكان ذلك ضمن لجان أخرى لتخصصات أخرى، وكان ذلك في العام الماضي، هذا وقد صَرَّح فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، أكثر من مرة، ولأكثر من جهة، بأنَّ الأزهر الشريف يعيد النظر في المناهج الأزهرية كافة، ليس بالأزهر فقط بل على مستوى الدولة، بالتعاون والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم.

إن المشكلة لا تكمن في المقررات والمناهج بنسبة المائة في المائة، ولكنها بكل الصدق، تكمن فيمن يقوم بالتدريس للكثير من هذه المقررات والمناهج، فعلى الرغم من الدورات التدريبية، التي تتيحها الجامعة، مجانا، لكل السادة أعضاء هيئة التدريس بها، في التغيير والتطوير وتنمية الذات، وأنا شهيدة على ذلك باعتباري مدير وحدة الجودة بالكلية، إلا أنه مازال هناك هؤلاء الذين يتعهدون الطُرُق والأساليب العتيقة البالية في التدريس، وهي في أغلبها تقوم على التلقين، ويرفضون التجديد والتطوير، وهؤلاء منهم مَن يعتبر التغيير والتجديد من باب البدعة، وبعضهم الآخر غير مَعني بتطوير وتجديد ذاته وأسلوبه ومنهجه واستراتيجيات التدريس خاصته. أضف إلى ذلك، هؤلاء الذين يريدون التشويش على الأزهر، بجميع مؤسساته، من أجل تحقيق مآرب شخصية لهم، أو لمن يعملون لحسابهم، ولكن الله غالب على أمره.

تنقية التراث

  • هل التراث يحتاج إلى تنقية فعلاً؟

** كتب التراث بالفعل تحتاج إلي تنقية، ولا يعني هذا بالضرورة، أن كلها بها ما يخالف الشرع والدين، ولكن لأن بعضاً من كتب التراث يحتوي قضايا ونماذج قد لا تتفق مع روح العصر ومعطياته، إلى جانب أن هناك العديد من القضايا أصبحت تحتاج إلي شرح جديد وتفسير يواكب مسيرة العصر ومتطلباته.

خطاب ديني

  • كيف نصل إلى خطاب ديني معتدل ومتحضّر؟

** إن التجديد في الخطاب الديني أصبح ضرورة مُلحَّة وهامة، ولا يعني ذلك أن نطيح بالترث كله، أو نهيل التراب على ثقافتنا وتراثنا، ولكن ينبغي أن نستدعي منه ما يتلاءم مع معطيات العصر ومتطلباته، وما يتناسب مع ما يُثار من قضايا معاصرة، ولن يجد أي تجديد للخطاب الديني إلا بعد تنقية كتب التراث والمقررات الدراسية، كما سبق وذكرناه من قبل، فتنقية كتب التراث الديني أصبحت ضرورة حتمية، وهو الدور الحيوي للأزهر الشريف وعلمائه، وهو التجديد الحقيقي للخطاب الديني، نحن لدينا المقدّس وهو كتاب الله تعالى، القرآن الكريم، وكذلك أقوال وأفعال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الرحمة المُهداة، وهذه ثوابت يقينية مؤكَّدة لا مساس بها، وأما ما كان من شروح وحواشي وتعليقات، فهذه كلها من فعل البشر، وهم بشر ونحن بشر، ومن الواجب أن ينتفض علماء كل أمّة ليقوموا بعمل إحلال وتجديد لكل ما هو إنتاج بشري، وبشكل قطعي لو أننا انتبهنا لهذا الأمر، وهو تنقية التراث وتجديده وتطويره ليتناسب مع متطلبات العصر ومعطياته، وضممنا إليه ما سبق أن نوهّنا إليه، من قبل، عند الحديث عن الداعية وكيفية بنائه لنفسه وتطويره لذاته بما يتلاءم والتقنيات الحديثة والمعاصرة، مع إخلاص النية لله في الدعوة، والتمسك بصحيح الدين وثوابته، ثم النظر إليه وفيه ومن خلاله بعين المنصف، الباحث عن الحقيقة، بالتأكيد سيكون لدينا خطاب ديني متحضر ومتنور، يستند إلى ثوابته العقدية، ويمتد للحاضر والمستقبل بالتحضر والارتقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات