أعلام

العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء

  
لقبّه تلميذه الأول ابنُ دقيق العيد بسلطان العلماء، إلا أنه كان للناس رأي آخر في أسد الحق وضمير الأمة التي كانت في عصره تعاني من تخلخل الفساد في مفاصلها بين رجال الدولة، وبعد أن وقف في وجه السلطان وواجه بسيفه الغزاة وسخر ليله للدعوة والصلاة، أطلقت القلوب التي تعلقت بحب الشيخ العز بن عبدالسلام عليه لقب “سوط الحق” الذي جلد به المنافقين والمتملقين، حتى أن السلطان المملوكي سيف الدين قطز في أحد المرات تراجع عن قراراته لما احتد عليه الشيخ الصادق غضبة من أجل الحق والعدل.
ولقب بعدة أسماء كلها صفات دلت على شجاعة الرجل الذي لم يكن يهاب في الحق لومة لائم، منها “بائع الملوك”، “سلطان العلماء”، “أسد الإسلام”، ألقاب الإمام المغوار عبد العزيز بن عبد السلام ابن أبي القاسم بن الحسن بن مهذّب، خلال مشوار حياته.
لم يطلب الشيخ العلاّمة، الذي وُلِد بدمشق في حوران بسوريا سنة 577هـ/ 1181م، العلم إلا على كبر فيها وبرز في الدعوة والفقه واعتمد في منهجه على البحث يدعو إلى إعمال العقل في استنباط الأحكام، وتميّز الشيخ وبرع في هذه الناحية كثيرًا، ومما يشهد بسعة علم الشيخ ما تركه للأمة من مؤلفات كثيرة عظيمة القيمة، عميقة الدقة في مادتها، والتي ما زال الكثير منها مخطوطًا ولم يطبع بعدُ، فلا يُذكر العز بن عبد السلام إلا وتُذكر الهيبة التي يهبها الله للعاملين المخلصين من عباده، ولا يُذكر -رحمه الله- إلا وتُذكر معه الجرأة على كل مخالف لشرع الله، مهما علا مكانه، وارتفعت بين الناس مكانته.
وفي الوقت الذي كان يقتر فيه العلماء بالذهب ويقدرون بكيل علومهم، عاش أسد الإسلام حياته فقيرًا رحالًا بين أقطار وأمصار بلدان الأمة، مواجهًا النفاق والزيف وساعيًا لطلب العلم والعمل ليأكل مما كسبت يداه ولو كان قليلًا، وبرز معدنه الفروسي في زمن الحروب الصليبية وعاصر الدول الإسلامية المنشقة عن الخلافة العباسية في آخر عهودها، وأبرز نشاطاته دعوته القوية لمواجهة الغزو المغولي التتري، وشحذه همم الحكام ليقودوا الحرب على الغزاة، خصوصا قطز قائد جيوش السلطان عز الدين أيبك.
الشيخ الدمشقي الذي ولد بالشام وخرج منها فرارًا إلى الحق وصل إلى مصر سنة 639هـ، رحّب به الملك الصالح نجم الدين أيوب وأكرم مثواه، ثم ولاّه الخطابة والقضاء ولكنه عاد ليترك هذه المناصب بعدما تعارض مع رأي الملك الصالح من أجل العدالة ورغم ذلك لم يترك العالم الرحال أرض المعز وظل بها حتى توفي بها ودفن بأرضها في 10 جمادى الأولى سنة 660 هـ الموافق 1262م، مُخلفًا وراءه عشرات المؤلفات و3 كتب في تفسير الشريعة الإسلامية وإرثا من الجرأة في مواجهة السلاطين والحكام بقول الحق.
ما يغيب من جوانب شخصيته عن عامة الناس، أن هذا الرجل العظيم كان عَلَماً في علوم وفنون شتى، كالتفسير وعلوم القرآن، والحديث، والعقائد، والفقه وأصوله، والسيرة النبوية، والنحو والبلاغة، والسلوك والأحوال القلبية. وكانت له صلة بشيخ زمانه في التصوّف أبي الحسن الشاذلي (علي بن عبد الله المغربي الشاذلي – توفي سنة 656هـ)، وكان كل منهما حريصاً على أن يخلّص التصوّف مما لحق به من شطحات وبدع، وقد قال فيه أبو الحسن: ما على وجه الأرض مجلس في  الفقه أبهى من مجلس عز الدين بن عبد السلام، وشهد العز لأبي الحسن كذلك بأن كلامه قريب عهد بالله!.
وُلد العز بن عبد السلام بدمشق سنة 577هـ (1181م) ونشأ بها، ودرس علوم الشريعة والعربية، وتولى الخطابة بالجامع الأموي والتدريسَ في زاوية الغزالي فيه، واشتُهر بعلمه حتى قصده الطلبة من البلاد، كما اشتُهر بمناصحة الحكام ومعارضتهم إذا ارتكبوا ما يخالف الشريعة الإسلامية برأيه، وقد قاده ذلك إلى الحبس، ثم إلى الهجرة إلى مصر، فعُيّن قاضياً للقضاة فيها، وقام بالتدريس والإفتاء، وعُيّن للخطابة بجامع عمرو بن العاص، وحرّض الناس على ملاقاة التتار وقتال الصليبيين، وشارك في الجهاد بنفسه، وعمّر حتى مات بالقاهرة سنة 660هـ (1262م) ودُفن بها.

مقالات ذات صلة

2 thoughts on “العز بن عبد السلام.. سلطان العلماء”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

pmclips.com
إغلاق
التخطي إلى شريط الأدوات